الهجرة إلى أستراليا عبر تأشيرة «Skilled Independent 189»

 الهجرة إلى أستراليا عبر تأشيرة «Skilled Independent 189»










الخلفيّة البرنامج وأهميّته

منذ أن اعتمدت أستراليا نظام النقاط للهجرة سنة ١٩٨٩، ظلّت فئة «العمالة المستقلّة» المعروفة رسميًّا بتأشيرة 189 هي العمود الفقري لاستقطاب الكفاءات من مختلف أنحاء العالم. تتميّز هذه الفئة بأنّها لا تشترط كفيلًا فيدراليًّا أو صاحب عمل محدّد، بل تمنح الحاصل عليها إقامة دائمة فور دخوله البلاد، ما يمكّنه من العيش والعمل والدراسة في أيّ ولاية أستراليّة دون قيود. يفسّر ذلك الإقبال المتزايد من المبرمجين، والمهندسين، والأطبّاء، والمُدرّسين الراغبين في الاستفادة من سوق عمل تُعدّ من أكثر الأسواق استقرارًا وأفضلها دخلًا على مستوى دول منظمة التعاون الاقتصادي (OECD). تتجلّى أهميّة البرنامج أيضًا في أنّه يراعي حاجة الحكومة إلى سدّ النقص في مهن مُدرجة ضمن قائمة المهارات المُستدامة متوسّطة وطويلة الأجل (MLTSSL)، وهي قائمة تُحدَّث دوريًّا بناءً على بيانات وزارة التعليم والمهارات والتوظيف DES. وبفضل سياسة «تدقيق السوق» هذه، يضمن المهاجر أن تخصّص له الدولة موارد للتطوير المهني والتوطين، مثل دورات اللغة المدعومة وخدمات البحث عن وظائف. علاوة على ذلك، تُعدّ أستراليا واحدة من أوائل الدول التي طبّقت مفهوم «اختبار الشخصية المرجعية» Character Test في قوانين الهجرة، لضمان أن القادمين الجدد ذوو سجلّ جنائي نظيف ولا يمثّلون خطرًا أمنيًّا أو صحّيًّا؛ ما أسهم في بناء ثقة مجتمعية تدعم برامج الهجرة بدل مقاومتها كما يحدث في بلدان أخرى. كل ذلك يرسّخ صورة أستراليا كوجهة آمنة ومستقرة ذات جودة حياة عالية، تحتلّ مدنها باستمرار مراتب متقدّمة في مؤشّر المعيشة العالمي التابع لوحدة الإيكونوميست، وهو ما يجعل تأشيرة 189 تحديدًا «تذكرة ذهبية» إلى مزيج نادر من الأمان الاقتصادي والبيئي والاجتماعي.







 متطلّبات الأهلية وخطوات التقديم التفصيلية 

يبنى نظام النقاط الأسترالي على ستة محاور رئيسة: العمر، مستوى اللغة الإنجليزية، المؤهّل التعليمي، الخبرة العملية داخل أستراليا وخارجها، عوامل إضافية مثل الشهادة المهنية أو دراسة سنتين على الأقل داخل أستراليا، وأخيرًا الشريك الماهر (إن وُجد). الحدّ الأدنى للترشّح في فئة 189 هو ٦٥ نقطة، لكن الواقع التنافسي لآخر ثلاث سنوات أظهر أن الدعوات لا تُوجَّه فعليًّا إلا لمن تجاوز ٨٥ نقطة في بعض المهن التقنية والطبية. تبدأ الرحلة بتقييم المهارة Skill Assessment عبر الهيئة المختصّة بمهنة المتقدِّم؛ فالمهندس يلجأ إلى Engineers Australia، والمختصّ في تقنية المعلومات إلى ACS، والطبيب إلى هيئة الطب AMC. يتطلّب التقييم ترجمة موثَّقة للشهادات، وسيرة ذاتية مفصّلة، وخطابات خبرة تحدّد طبيعة المهام وعدد ساعات العمل. بعد صدور النتيجة الإيجابية، يخوض المتقدّم اختبار اللغة IELTS أو PTE الأكاديمي؛ ويمنح الحصول على مستوى Superior (أي ٨ في جميع مهارات IELTS أو ما يعادلها) ٢٠ نقطة كاملة، وهو فارق غالبًا ما يصنع الفرق بين دعوة وأخرى. بعد ذلك يُنشأ ملف تعبير عن اهتمام (EOI) على نظام SkillSelect الحكومي، مبيّنًا المهنة، ومستوى النقاط، والرغبة في ولاية معيّنة أو عدمها. يجري النظام سحوبات دورية كل شهرين تقريبًا؛ وعند تلقّي دعوة التقديم (ITA) يحصل المتقدّم على ٦٠ يومًا لرفع المستندات النهائية، ودفع الرسوم التي تقارب ٤١١٥ دولارًا أستراليًّا للمتقدّم الرئيسي و٢٠٥٥ للزوج/الزوجة و١٠٣٠ لكل طفل. تشمل المستندات فحصًا طبّيًا شاملاً عبر عيادات معتمدة، وشهادة عدم محكومية من كل دولة أقام فيها المتقدّم أكثر من ١٢ شهرًا خلال السنوات العشر الأخيرة. بعد الإيداع يُحال الملف إلى ضابط هجرة يُراجع أصالة الوثائق ويطلب معلومات إضافية عند الحاجة. متوسط زمن المعالجة الرسمي ٧ إلى ١١ شهرًا، لكن ملفات «الأولوية» في المهن الصحية قد تنتهي خلال ٤ أشهر فقط.







 الحياة بعد الحصول على التأشيرة وتحدّيات الاندماج

ما أن يطأ المقيم الدائم أرض مطار سيدني أو ملبورن حتى تبدأ مرحلة جديدة عنوانها «الاندماج الاجتماعي والاقتصادي». يكتشف كثير من الوافدين الجدد أنّ الحصول على الإقامة الدائمة ليس سوى نصف الانتصار، إذ يلزمهم بناء شبكة علاقات مهنيّة محليّة في مجتمع يعتمد بقوّة على التزكية Referencing والتطوّع Community Service كمعايير غير مكتوبة لتوظيف الكفاءات. لذلك تُنصح الكفاءات الأجنبية بالانتساب إلى الجمعيات المهنية (مثلاً Engineers Australia أو Australian Computer Society) والمشاركة في الفعاليات المجانية وورش العمل التي تنظّمها البلديات. أمّا التحدّي الآخر فيتمثّل في غلاء المعيشة، خاصة في المدن الكبرى حيث يبلغ متوسّط إيجار شقّة بغرفة نوم واحدة في وسط المدينة ٥٠٠–٧٠٠ دولار أسترالي أسبوعيًّا. وهنا يظهر دور برامج الحكومة في دعم الوافدين مثل دورة Adult Migrant English Program (AMEP) التي تقدّم ما يصل إلى ١٠٠٠ ساعة لغة مجانية، إضافة إلى خدمة Centrelink التي توفّر بدلًا ماليًّا مؤقّتًا للباحثين عن عمل، شريطة التسجيل في وكالة التوظيف Job Active وحضور المقابلات الدورية. على الصعيد الاجتماعي، يجد كثيرون صعوبة في التكيّف مع الثقافة الأسترالية غير الرسميّة القائمة على المساواة المباشرة والعلاقات الأفقية في بيئة العمل؛ إذ يخاطب الموظّف مديره بالاسم الأول ويتوقّع مبادرة رأي صريح بلا مجاملة زائدة. تجاوز هذه الهوّة الثقافية يتطلّب شجاعة في التواصل ومتابعة دورات «الذكاء الثقافي» التي تعقدها جامعات محلية. وفي المقابل، تقدّم أستراليا مزايا يصعب تجاهلها: مدارس حكومية مجانية، وتأمينًا صحيًّا عامًا Medicare يغطي معظم التكاليف، وإمكانية الحصول على الجنسية بعد أربع سنوات من الإقامة (تسع منها كمقيم دائم). كما يتيح جواز السفر الأسترالي دخول أكثر من ١٨٠ دولة بلا تأشيرة. لا يُنسى أخيرًا البعد البيئي؛ فطبيعة أستراليا المتنوّعة من شواطئ بريسبن الذهبية إلى حدائق تسمانيا الوطنية تمنح المقيم فرصة فريدة للجمع بين مسيرة مهنية طموحة وحياة خارجية غنية بالنشاطات. بناءً على ذلك، تُعدّ تأشيرة 189 خيارًا إستراتيجيًّا لكل من يمتلك مهارة مطلوبة وإرادة للتحضير الجاد، إذ توفّر مسارًا مباشرًا إلى الإقامة الدائمة وما يليها من أمن اقتصادي واجتماعي في واحدة من أكثر دول العالم تقدّمًا ورفاهيّة.


تعليقات